المقريزي

1071

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وعمل في هذا الحريق أربعة وعشرون أميرا من الأمراء المقدّمين ، سوى من عداهم من أمراء الطبلخانات والعشراوات والمماليك ، وعمل الأمراء بأنفسهم فيه ، وصار الماء من باب زويلة إلى حارة الدّيلم في الشّارع بحرا من كثرة الرّجال والجمال التي تحمل الماء . ووقف الأمير بكتمر السّاقي والأمير أرغون النائب ، على نقل الحواصل السّلطانية من بيت كريم الدّين إلى بيت ولده بدرب الرّصاصي « 1 » ، وخرّبوا ستة عشر دارا من جوار الدّار وقبالتها حتى تمكّنوا من نقل الحواصل . فما هو إلّا أن كمل إطفاء الحريق ونقل الحواصل ، وإذا بالحريق قد وقع في ربع الظّاهر خارج باب زويلة « 2 » ، وكان يشتمل على مائة وعشرين بيتا ، وتحته قيساريّة تعرف بقيساريّة الفقراء « 3 » ، وهبّ مع الحريق ريح قوّية فركب الحاجب والوالي لإطفائه ، وهدموا عدّة دور من حوله حتى انطفأ . فوقع في ثاني يوم حريق بدار الأمير سلار في خطّ بين القصرين « 4 » ، ابتدأ من الباذهنج - وكان ارتفاعه عن الأرض مائة ذراع بالعمل - فوقع الاجتهاد فيه حتى أطفئ . فأمر السّلطان الأمير علم الدّين سنجر الخازن والي القاهرة ، والأمير ركن الدّين بيبرس الحاجب ، بالاحتراز واليقظة . ونودي بأن يعمل عند كلّ حانوت دنّ فيه ماء أو زير مملوء بالماء ، وأن يقام مثل ذلك في جميع الحارات والأزقّة والدّروب . فبلغ ثمن كلّ دنّ خمسة دراهم بعد درهم ، وثمن الزّير ثمانية دراهم . ووقع حريق بحارة الرّوم وعدّة مواضع ، حتى إنّه لم يخل يوم من وقوع الحريق في موضع . فتنبّه الناس لما نزل بهم ، وظنّوا أنّه من أفعال النصارى - وذلك أنّ النار كانت ترى في منابر الجوامع وحيطان المساجد والمدارس - فاستعدّوا للحريق ، وتتبّعوا الأحوال حتى وجدوا هذا الحريق من نفط قد لفّ عليه خرق مبلولة بزيت وقطران . فلمّا كان ليلة الجمعة النصف من جمادى ، قبض على راهبين عندما خرجا من المدرسة الكهاريّة « 5 » بعد العشاء الآخرة ، وقد اشتعلت النار في المدرسة ورائحة الكبريت في أيديهما فحملا إلى الأمير علم الدّين الخازن والي القاهرة ، فأعلم السّلطان بذلك ، فأمر بعقوبتهما .

--> ( 1 ) انظر عن موقع درب الرّصاصي ، فيما تقدم 3 : 123 . ( 2 ) انظر عن موقع ربع الظّاهر ، فيما تقدم 500 ه . ( 3 ) انظر عن موقع قيسارية الفقراء ، فيما تقدم 3 : 300 . ( 4 ) انظر فيما تقدم . ( 5 ) انظر عن المدرسة الكهارية ، فيما تقدم 678 .